الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
37
مختصر الامثل
أنواع النعم المادية والمعنوية : يعود القرآن الكريم مرّة أخرى بعرض جملة أخرى من النعم الإلهية كدرس في التوحيد ومعرفة اللَّه ، وأوّل ما يشير في هذه الآيات المباركات إلى نعمة العلم والمعرفة ووسائل تحصيله . . . ويقول : « وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيًا » . فمن الطبيعي أنّكم في ذلك المحيط المحدود المظلم تجهلون كل شيء ، ولكن عندما تنتقلون إلى هذا العالم فليس من الحكمة أن تستمروا على حالة الجهل ، ولهذا فقد زوّدكم الباري سبحانه بوسائل إدراك الحقائق ومعرفة الموجودات « وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفِدَةَ » . لكي يتحرك حس الشكر للمنعم في أعماقكم من خلال إدراككم لهذه النعم الربانية الجليلة « لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ » . وتستمر الآية التالية في بيان أسرار عظمة اللَّه عزّ وجل في علم الوجود ، وتقول : « أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِى جَوّ السَّمَاءِ » . وبما أنّ الأجسام تنجذب إلى الأرض طبيعياً فقد وصف القرآن الكريم حركة الطيور في الهواء بالتسخير . ويضيف قائلًا : « مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ » . صحيح أنّ ثمّة أمور مجتمعة تعطي للطيور إمكانية التحليق والطيران ، مثل : الخاصية الطبيعية للأجنحة ، قدرة عضلات الطيور ، هيكل الطير بالإضافة إلى خواص الهواء الملائمة . . . ولكن ، من الذي خلق هذه الهيئة وتلك الخواص ؟ وفي نهاية الآية ، يأتي قوله عزّ من قائل : « إِنَّ فِى ذلِكَ لَأَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ » . أي : إنّهم ينظرون إلى هذه الأمور بعين باصرة وأذن سميعة ويتفكرون فيما يرون ويسمعون ، وبذلك يقوى إيمانهم ويرسخ أكثر فأكثر . وتستمر الآيات في الإشارة إلى النعم الإلهية حتى نصل إلى الآية الثالثة ( مورد البحث ) لتقول : « وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا » . وحقّاً إنّ هذه النعمة المباركة من أهم النعم ، فلولاها لم يمكن التمتع بغيرها . « البيوت » : جمع بيت ، مأخوذ من « البيتوتة » وهي في الأصل بمعنى التوقف ليلًا ، واطلقت كلمة « بيت » على الحجرة أو الدار لحصول الاستفادة منهما للسكن ليلًا . وبعد أن تطرّق القرآن الكريم إلى ذكر البيوت الثابتة عرّج على ذكر البيوت المتنقلة فقال : « وَجَعَلَ لَكُم مّن جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا » .